دراسات إسلامية

 

المقاصد الشرعية: إثباتها بالنصوص والمعاني

 

 

بقلم : الأستاذ حبيب محمد بكر اسماعيل

  

 

  

 

 

       يسبق الإسلام وعلومه وعلماؤه العالم كله في كل خير، وكل فكر سليم؛ فلا يحتاج المسلمون في علومهم الشرعية وفهم نصوص الشريعة الغراء إلى شرق ملحد، أو غرب صليبي ضال، اغترّ بهم بعض بني جلدتنا فانبهروا ببعض ثقافتهم، والآن ينادون بقراءة النصوص الشرعية مرة أخرى مع مراعاة السياق(1)، فقد سبقهم صحابة الرسول الكرام، الذين راعوا السياق والمقام والقرائن، فانظر إلى قول الصحابية الكريمة زوج النبي وأم المؤمنين عائشة الصديقة «نهاهم النبي عن الوصال رحمة لهم» (2) وعن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي نهى عن الحجامة والمواصلة، ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه» (3) إلى غير ذلك من وقائع لاتُحصى نقل فيها الصحابة الكرام القرائن والأحوال والسياق، والتي نقلها عنهم التابعون وتابعوهم، ثم قيدها الأصوليون قواعد للفهم والاستنباط من نصوص الشريعة الغراء .

       ولاشك أن صدور الكلام في حال ومقام يختلف عن صدوره في حال ومقام آخر، فهذا له سياق يختلف عن سياق الآخر، والقرائن التي تحف بالكلام لها أثر واضح في فهم مراد المتكلم من كلامه، يقول الإمام الشاطبي رحمه الله وهو يتكلم عن معرفة أسباب التنزيل وأنها لازمة لمن أراد علم القرآن، ويدلل على ذلك بأمرين :

       أحدهما: أن علم المعاني والبيان الذي يُعْرَف به إعجاز نظم القرآن، فضلاً عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطِب، أو المخاطَب، أوالجميع، إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك، كالاستفهام لفظه واحد، ويدخله معان أخر من تقرير، وتوبيخ، وغير ذلك، وكالأمر، يدخله معنى الإباحة، والتهديد، والتعجيز، وأشباهها، ولايدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتها مقتضيات الأحوال، وليس كل حال يُنقل، ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة، فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب لابد، ومعنى معرفة السبب هو معرفة مقتضى الحال. اهـ(4).

       فعناصر فهم الخطاب وتحديد المقصود منه أربعة:(5).

      1- الخطاب: من حيث نوع اللغة، ومدى وضوحها أو غموضها، إذ ليست أساليب اللغة واحدة في الدلالة على المقصود بحيث لا تحتمل شكاً في مقصود المتكلم؛ بل من العبارات ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا، كالنص، ومنها ما يحتمل أكثر من معنى كالظاهر، أو المشترك .

       ولذا فلابد من فهم النصوص الشرعية على معهود العرب في لغتها(6) من حيث:

       - معاني الألفاظ، بأن لا تُحْمل على غير ما تعارف عليه العرب من معان لها(7).

       - إدراك أساليب العرب في خطابها .

       فمعرفة ما تواضع عليه العرب من معاني الألفاظ يعين في الوصول إلى المعنى الإفرادي للألفاظ، ومعرفة ما تواضع عليه العرب في أساليب الخطاب يعين في تحديد المعنى التركيبي لنصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة .

       يقول الإمام الشافعي: وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره؛ لأنه لا يعلم من أيضاح جمل علم الكتاب أحدٌ جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبة التي دخلت على من جهل لسانها. اهـ(8).

       فمعرفة مفهوم العرب في التخاطب مهم في فهم كثير من النصوص القرآنية والنبوية، خاصة فيما يتعلق بالعموم والخصوص، والتقديم والتأخير، والظهور والخفاء، والإضمار والحذف، والتأكيد والاستثناء، وغير ذلك .

       ولذا شدد العلماء وأكدوا على من أراد أن يستنبط من القرآن والسنة أن يكون على علم بلسان العرب وسعة وجوهه(9).

      2 – المخاطِب (المتكلم): فهو الذي يتحكم في مدى وضوح خطابه أو غموضه من حيث القدرة على البيان، واختيار الألفاظ، وإرادته للإيضاح أو الإبهام، وحاله أثناء الخطاب، إذ اللغة قد تكون أضيق من الفكر، لذا قد يلجأ الإنسان إلى الإشارات والحركات للتعبير عن بعض المعاني، ولذا نقل الرواة حال النبي أثناء الخطاب، من احمرار الوجه، والغضب، أو الجلوس بعد الاتكاء، أو الإشارات، أو غير ذلك .

      3 – المخاطَب (السامع): فالسامعون يتفاوتون في مقدار الاستفادة من الخطاب الوارد إليهم بحسب قدراتهم العقلية، واستجماعهم لأدوات فهم النص ولوازم ذلك، وممارستهم. لأساليب اللغة وكلام ذلك المتكلم، إذ طول الممارسة لكلام متكلم تكسب صاحبها دربة بأساليبه في الخطاب ومقاصده فيه، لذا امتاز الصحابة الكرام عن غيرهم في القدرة على فهم النصوص الشرعية وإدراك المقاصد منها، والصحابة أنفسهم متفاوتون في ذلك.

       والنصوص الشرعية منها ما يتمكن من فهمه كل من عرف اللغة العربية، ففهمه متيسر لعامة الناس، ومنها ما يحتاج إلى أهل الاختصاص لإدراك مراميه والإحاطة بمعانيه ، ولذا اُشْتُرِط فيمن يتصدى للاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية – من هذا النوع الثاني من النصوص – شروط هي في خلاصتها تمثل الأدوات اللازمة لحسن فهم النص واستثمار الأحكام الشرعية منه، من: تمكن في اللغة العربية، وتمرسٍ على التعامل مع النصوص الشرعية بما يكسب صاحبه دربة بأساليب الشرع في الخطاب، ومقاصده العامة من التشريع، وعلمٍ بقواعد وأصول الأحكام، واطلاعٍ على اللازم معرفته من أسباب النزول، وأسباب ورود الحديث، فلايمكن لمن لم يستجمع شروط النظر الصحيح في النصوص الشرعية أن يدعي قدرته على إدراك مقاصد الشريعة من نصوصها وأحكامها .

       ومع التسليم بالفروق في القدرات واستجماع الآلات، وأنها من أهم أسباب الاختلاف في فهم النصوص، وأنها أمر طبعي في الحياة، إلا أن القول بأن قراءة النص واستخلاص المعاني منه يختلف باختلاف الناظر في النص علمًا وثقافة وزمانًا ومكانًا ليس على إطلاقه لوجهين:

      الأول: أنه ليست كل النصوص تختلف فيها الأفهام، فما كان واضح المعنى تمام الوضوح فإنه لايحتمل اختلافًا، ومخالفته تُعَدّ شذوذاً مردودًا على صاحبه .

      الثاني: أن الاجتهاد في النص يجب أن يكون خاضعًا لقواعد موضوعية لايصح تجاوزها، بأن يكون المعنى المستنبط يحتمله الكلام الذي اُسْتُنبط منه ، وأن لايكون السياق الخاص أو العام(10) مخالفًا لما يدعيه المستنبط من معنى، إذ إعطاء النص أي معنى من المعاني على خلاف السياق الوارد فيه يُعَدّ ادعاءً لا دليل عليه .

       4 – سياق الخطاب : هو نوعان :

      الأول: السياق اللغوي، أي الجمل المكونة والسابقة واللاحقة لنص الخطاب المراد معرفة المقصد منه، فلا يمكن أخذ النص القرآني أو النبوي مبتورًا عن النصوص الأخرى، سواء النصوص الواردة في السياق اللغوي بمعناه الخاص، أي السابق واللاحق له، أو السياق اللغوي، بمعناه العام، أي النصوص الأخرى التي لها علاقة بهذا النص مع ورودها في مواضع وأزمنة مختلفة عما ورد فيه ذلك النص حيث يكون استحضار تلك النصوص معينًا على فهم النص المراد فهمه، إما لكونها مبينة له، أو مكلمة لمعناه، أو مخصصة لعمومه، أو مقيدة لإطلاقه .

       فقول الله تعالى : ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ(11) يفهم منه أن السؤال عن القرية ذاتها، ولكن قوله سبحانه بعد ذلك «إذ يعدون في السبت» قرينة لفظية دلت على أن المراد السؤال عن أهل القرية، لأن ضمير الجمع في «يعدون» يصرف المعنى المراد عن القرية إلى أهلها، ولأن القرية لاتكون عادية ولا فاسقة(12).

      النوع الثاني : السياق الاجتماعي :

       وهو الذي يُسمّى بالمقام، ويدخل فيه أسباب النزول ، وأسباب ورود الحديث، والظروف النفسية والاجتماعية السائدة وقت ورود النص الشرعي.

       فلاشك أن معرفة القرائن الحالية والمقالية مهم في إزالة الاحتمالات التي تعرض للسامع في مقصود المتكلم من خطابه، وكلما كان استحضار القرائن التي حفت بالكلام أشمل ، كان فهم مراد المتكلم من كلامه أدق ، وبالعكس ، ولذا نجد أن الكلام المشافه به أوضح دلالة على مراد المتحدث من الكلام الذي بلّغه عنه مبلغ أو نُقل عنه كتابة، بسبب ما يفتقده من قرائن حالية تعين على دفع الاحتمالات التي تتطرق إلى الكلام ولا يقصدها المتكلم .

       يقول الشاطبي رحمه الله تعالى : وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة ، فات فهم الكلام جملة أو فهم شيء منه . اهـ(13)

       فإهمال القرائن كلها أو بعضها يؤدي إلى نقص في فهم الخطاب، أو إلى الخطأ الكامل في الفهم(14).

       والمقام قد يكون خاصًا ، وذلك القرائن والأحوال والظروف التي تحف بصدور خطاب ما.

       وقد يكون عامًا، وهو الحالة العامة أو الهدف العام الذي اقتضى مجيء الخطاب، ككون القرآن الكريم نزل لهداية الناس وإرشادهم إلى طريق الحق.

       ولذا لما كانت الشريعة الإسلامية عامة زمانًا ومكانًا وأشخاصًا، فإننا نجد أغلب نصوص الشرع تميل إلى التجرد عن المقام الخاص والاعتماد على المقام العام، وإن كان ولا بد من مقام خاص فغالبًا ما يكون مما يمكن أن يتكرر في مختلف الظروف والأزمان، ومما يدل على أن الشرع لايجعل الأحكام مأثورة بالمقام الخاص أنه يأتي بالخطاب عامًا، ولذا نشأت القاعدة الأصولية «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب».

       والقرائن الحالية بحكم كونها زائدة عن نفس الخطاب تحتاج إلى نقل مستقل، وهذا النقل: قد يكون مقارنًا لنفس الخطاب، كما نقل الرواة أحاديث النبي بالحالة التي ذكرها بها، كما في «فقال: هكذا بيده فحرفها، كأنها يريد القتل في تفسير الهرج(15)، ومثل «وكان متكئاً فجلس «في شهادة الزور» (16).

       وقد يكون نقل هذه القرائن في نصوص أخرى منفصلة غير مقترنة بالنص المراد فهمه، ويكون هذا عادة في أسباب النزول، وأسباب ورود الحديث .

      فأسباب النزول: هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أو مبينة لحكمه أيام وقوعه .

       ولنزول الآيات سبب عام حقيقي يتمثل في سبب نزول القرآن الكريم وهو: إصلاح أوضاع المجتمع البشري اعتقادًا وسلوكاً، وهداية الناس إلى أقوام السبل لتحقيق الفوز في الدنيا والآخرة.

       وسبب خاص لنزول بعض الآيات، وهي الوقائع والحوادث التي نزلت الآيات على إثرها لتبين حكمها.

       وهذه الأسباب الخاصة غالبًا ما تكون مناسبات اختارها الله تعالى لتكون توقيتًا لنزول تلك الآيات، حتى يكون ذلك أبلغ في الإصلاح والإفهام، فهذه الأسباب والمناسبات وسائل تربوية بمثابة وسائل إيضاح معينة على الإفهام، أو لتكون مراعاة هذه المناسبات أكثر تأثيرًا في النفس .

       ولذا فقد خطّأ العلماء المحققون المفسرين الذين يتلقفون الروايات الضعيفة ويثبتونها كأسباب لنزول في كتبهم دون أن ينهبوا إلى مراتبها قوة وضعفًا، حتى أوهموا كثيرًا من الناس أن القرآن لاتنزل آياته إلا لأجل حوادث تدعوا إليها، مع أن القرآن الكريم جاء هاديًا إلى ما به صلاح الأمة في أصناف الصلاح، فلا يتوقف نزوله على حدوث الحوادث الداعية إلى تشريع الأحكام.(17)

       وليس ذلك إهمالاً أو تقليلاً من أهمية معرفة أسباب النزول، إذ لها أهمية كبيرة في فهم معاني القرآن الكريم، وهي شرط في الاستنباط والاجتهاد، وإنما المقصود عدم قصر معاني الآيات الواردة في أسباب خاصة على تلك الخصوصيات إلا إذا ثبت بالدليل الشرعي اختصاصها بها، فمع الاهتداء بتلك الأسباب في فهم معاني الآيات، فإن ذلك لا يمنع من إعطائها ما تحتمله من معانٍ غير تلك الخصوصيات ، ومن تطبيقها على المماثل لتلك الخصوصيات .

       وبناء على السبب العام لنزول القرآن الكريم تقررت قاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»، فالأحكام الشرعية إنما شُرِعت لضبط حياة الناس وهدايتهم إلى أقوم السبل، أما أسباب النزول فهي مناسبات اختارها الله تعالى لتشريع الحكم لتكون أبلغ في الإصلاح والإفهام، وأقوى على التأثير في النفوس، كما سبق، والله أعلم.

       ومن فوائد معرفة أسباب النزول أيضًا :

       1- أن من النصوص القرآنية ما يتعذر فهمها إلا بالاطلاع على سبب النزول، كما في القصص التي تتضمن الآيات القرآنية التعريض بها، كما في قوله تعالى:﴿قد سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَـٰـدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَــى اللهِ﴾(18)، ومثل قوله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذيِنَ ءَامَنُوْا لاَ تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾(19) ففهم إشارات هذه الآيات وإيماءاتها يتوقف على معرفة تلك القصص .

       2 – سبب النزول الذي يفيد تخصيصًا لعام، أو تقييدًا لمطلق، أو بيانًا لمجمل، أو يدفع تشابهًا، وأمثال ذلك مما يصرف فيه الكلام عن ظاهرة المتبادر منه، لابد من معرفته، إذ إن فهم مقاصد الآيات لا يتأتى بدون ذلك .

       والخلاصة أن ما كان من الآيات تام المعنى بعموم صيغته، مستقلاً فهمه عما يورد بشأنه من أسباب النزول، فإنه لايحتاج في التعرف على مقصوده إلى استحضار أسباب النزول، وإنما يفتقر إلى استحضار ذلك ما وقع فيه تعريض بخصوص الحادثة ومتعلقاتها، إذ تكون الحاجة ماسة إذ ذاك إلى معرفة سبب النزول للتمكن من معرفة سياق الحديث وخلفياته، ومن ثم حسن فهم النص وإدراك مقاصده.

      ومن أمثلة النصوص التي يحتاج فيها إلى معرفة سبب النزول لإدراك المقصود منها:

       1- النصوص التي وردت في التدرج في التشريع، كالآيات الواردة في تحريم الخمر، أو الربا، إذ قد يُظن التضارب بين النصوص الواردة في كل منهما من غير معرفة سبب النزول، فمن هذه النصوص ما ينص على الحرمة قطعًا، ومنها ما يقتصر على مجرد التنفير، مما قد يفهم منه مجرد الكراهة، وإدراك أسباب النزول يبين كيفية ترتيبها وأن الحكم هو ما ورد في آخرها نزولاً، وإنما وقع منها ما وقع تيسيرًا على الناس في التدرج بهم للتخلص من أسر تلك المحرمات التي تجذرت فيهم ويصعب التخلي عنها دفعة واحدة .

       2 – قوله تعالى: ﴿قُلْ لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (20).

       فمعرفة سبب النزول وأن الكفار لما حرموا ما أحل الله، وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادة والمحادة، جاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرمتموه، ولا حرام إلا ما أحللتموه، فالغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة، وإلا فالمحرمات غير قاصرة على المحصور في الآية، بل الخمر حرام، ولم تذكر فيها، فكأن المعنى: لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل. والذي أفاد ذلك هو سبب النزول .

       3 – قوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (21) فسبب نزول الآية بصيغة نفي الجناح هو ما وقر في أذهان الأنصار يومئذ من أن السعي بين الصفا والمروة من عمل الجاهلية، نظرًا إلى أن الصفا كان عليه صنم يقال له إساف، وكان على المروة صنم يقال له نائلة، وكان المشركون إذا سعوا بينهما تمسحوا بهما، فلما ظهر الإسلام وكسرت الأصنام تحرج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك، فنزلت الآية تخبرهم أن السعي بينهما من شعائر الإسلام، ولا يخرجه عن ذلك أنه كان جزءًا من شعائر الحج في الجاهلية(22).

      أما أسباب ورود الحديث: فمعرفتها عامل مهم في المعنى المقصود من الحديث .

       والأحاديث النبوية كالقرآن الكريم في أن بعضها جاء لسبب خاص، وغالبها أتى لسبب عام هو إصلاح البشرية وهدايتها إلى أقوم السبل.

       والأحاديث التي وردت في سبب خاص يحتاج في فهم المقصود منها من حيث المعنى والأفراد المنطبقة عليهم إلى معرفة سبب الورود، والقرائن التي حفت بالحديث، ولذا يكون الجهل بسبب ورود الحديث موقعًا في الغلط في فهم المراد وتحديد المعنى، لذا اهتم الرواة بنقل أسباب ورود الأحاديث التي وردت على سبب خاص؛ إذ قد يكون غياب سبب الورود الذي يخصص عموم الحديث، أو يقيد إطلاقه، أو يصرف أمره عن الوجوب إلى غيره، مؤديًا إلى التحير في فهم الحديث أو إلى سوء فهمه، وربما اطلع البعض على سبب الورود، وخفي على البعض الآخر، فيؤدي إلى الاختلاف بينهم، كما في تفسير قوله: «أقروا الطير على مكاناتها» (23)، فقد فهمه البعض كوكيع بن الجراح على تحريم صيد الليل، وفسره الشافعي بناء على سبب الورود، وهو أن أهل الجاهلية كانوا إذا أرادوا سفرًا عدوا إلى الطير فسرحوها، فإن أخذت يمينًا خرجوا في ذلك الفأل، وإن أخذت يسارًا أو رجعت إلى خلفها تطيروا ورجعوا، فلما أن بعث الله النبي قدم مكة فنادى في الناس «أمكنوا الطير في أوكارها، وبكروا على اسم الله» (24).

       ومن أمثلة الأحاديث التي تحتاج إلى معرفة سبب الورود لفهم معناها فهما صحيحًا حديث النهي عن سبب الدهر، فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «لاتسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر» (25).

       فمذهب البعض بناء على ظاهر الحديث إلى القول بأن «الدهر» اسم من أسماء الله تعالى، ولكن الاطلاع على سبب ورود الحديث ينفى ذلك، فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : قال الله عزوجل: «يؤذيني ابن آدم، يقول ياخيبة الدهر، فلا يقولن أحدكم ياخيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما» (26) وفي بيان ذلك يقول الشافعي: إنما تأويله – والله أعلم – أن العرب كان من شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم، من موت ، أو هدم، أو تلف مال، أو غير ذلك، وتسب الليل والنهار، ويقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وأتى عليهم، فيجعلون الليل والنهار اللذين يفعلان ذلك، فقال رسول الله «لا تسبوا الدهر» على أنه الذي يفعل بكم هذه الأشياء، فإنكم إذا سببتم فاعل هذه الأشياء فإنما تسبون الله عزوجل فإن الله تعالى فاعل هذه الأشياء.(27)

       ومن ذلك الأحاديث المختلفة في بيان أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى، فقد سئل في مناسبات مختلفة عن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى فكان جوابه مختلفًا:

       فمرة ذكر أنه الإيمان بالله تعالى ورسوله (28). ومرة جعله الصلاة لوقتها(29). ومرة جعله أدوم الأعمال(30). ومرة الصوم(31). ومرة المداومة على تلاوة القرآن الكريم(32) وغير ذلك.

       وتفسير ذلك أن الأفضلية ليست على إطلاقها، إذ الأفضل على الإطلاق لايتعدد، وإنما هي أفضلية بالنسبة للسائل، أو الحال التي يخصها السؤال، فاختلف ذلك باختلاف المقام الذي صدرت فيه، فكان الجواب بحسب حال السائل وبحسب واجب الوقت في حقه.

       أما الأحاديث التي جاءت من غير سبب خاص، فإنها عامة لجميع الأمة، ولا تكون في حاجة إلى معرفة سبب الورود لفهم المقصود منها، لكنها تحتاج إلى معرفة نوع آخر من أسباب الورود، وهو:

*  *  *

الهوامش :

 

(1)          ذكر منهم د/نعمان جغيم: نصر حامد أبازيد، ومحمد أركون، وعبد الرحمن عبد الهادي، وأبا القاسم حاج محمد. ويسمون أنفسهم بالتيار الحداثي (طرق الكشف 371).

(2)          صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن الوصال (مختصر صحيح مسلم لمحمد ياسين 1/398).

(3)          أخرجه أبوداود في الصوم، باب الرخصة للصائم أن يحتجم، بإسناد صحيح. (صحيح سنن أبي داود للألباني 2/62 برقم 2374) .

(4)          الموافقات بتعليق الشيخ دراز 3/347 .

(5)          انظرها بالتفصيل: طرق الكشف ص 82 ومابعدها .

(6)          وهذا يؤدي إلى: أولاً: وضع معيار موحد لضبط طريقة فهم النصوص، إذ مع غياب المعيار الضابط يستحيل فهم النص فهمًا معقولاً، إذ يستطيع كل إنسان أن يدعى أي معنى لأي لفظ أو نص من النصوص، ولنتصور عند ذلك الفوضى التي تعم الناس إذا طبقنا ذلك على المخاطبات العادية بينهم، أما فيما يخص نصوص الشرع فإن النتيجة الحتمية لذلك هي إلغاء النصوص الشرعية تمامًا وإيجاد شرائع جديدة تتعدد بتعدد الأفهام والأشخاص، وهو ما وقع فيه الباطنية .

ثانيًا: لأن طبيعة الاتصال بين الناس وطبيعة اللغة يقتضيان وجود قواعد ومعايير يحتكم إليها في فهم وسائل الخطاب ومادامت النصوص الشرعية قد جاءت باللغة العربية فلا طريق إلى فهمها فهمًا سليمًا إلا بالخضوع لقواعد تلك اللغة وأساليبها كما عرفها أهلها الأصلاء (طرق الكشف 371،37) .

(7)          انظر الموافقات 3/53 .

(8)          الرسالة ص 50 .

(9)          انظر على سبيل المثال: الرسالة للإمام الشافعي 51-53، الإحكام لابن حزم 1/58، الموافقات بتعليق الشيخ دراز2/64 .

(10)      السياق الخاص وهو الوارد في النص محل الاستنباط، أما السياق العام فهو النصوص الأخرى الواردة في الموضوع والنظر إليها مع السياق الخاص كوحدة واحدة .

(11)      سورة الأعراف ، آية : 163 .

(12)      انظر الرسالة للشافعي ص 62 .

(13)      الموافقات بتعليق دراز 3/374 .

(14)      لكن لابد أن نعلم أنه ليس كل كلام يحتاج في فهمه إلى قرائن، فما كان مفيدًا تام المعنى يمكن فهمه من غير حاجة إلى قرائن (انظر: طرق الكشف 102).

(15)      صحيح البخاري، كتاب العلم، باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس (مختصر صحيح الإمام البخاري للألباني 1/33) .

(16)      صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب 6 . صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الشرك أقبح الذنوب، وبيان أعظمها بعده (مختصر صحيح مسلم 1/39 رقم 87).

(17)      طرق الكشف ص 107 نقلاً عن التحرير والتنوير لمحمد الطاهر عاشور 1/46 .

(18)      سورة المجادلة ، آية:1.

(19)      سورة البقرة، آية: 104 .

(20)      سورة الأنعام ، آية : 145 .

(21)      سورة البقرة، آية: 158 .

(22)      إلى غير ذلك من أمثلة ، انظر طرفًا آخر منها في طرق الكشف ص 117 وما بعدها .

(23)      السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الضحايا، باب أقروا الطير على مكاناتها 9/311 .

(24)      المرجع السابق .

(25)      صحيح مسلم ، كتاب الألفاظ من الأدب (مختصر صحيح مسلم 2/256)

(26)      المصدر السابق .

(27)      طرق الكشف ص 124 نقلاً عن مناقب الشافعي 1/336 ، 337 .

(28)      صحيح البخاري ، كتاب الإيمان ، باب من قال إن الإيمان هو العمل (مختصر صحيح البخاري للألباني 1/11) .

(29)      صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها. (المرجع السابق 145) .

(30)      صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين ، باب فضيلة العمل الدائم (مختصر صحيح مسلم لمحمد ياسين 1/283).

(31)      سنن النسائي 4/165، كتاب الصوم ، باب ذكر الاختلاف على محمد بن أبي يعقوب في حديث أبي أمامة في فضل الصائم .

(32)      سنن الدارمي 2/429 ، كتاب فضائل القرآن .

 

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، الهند . رمضان – شوال 1428هـ = سبتمبر – نوفمبر 2007م ، العـدد : 9–10 ، السنـة : 31.